حسين بن منصور الحلاج

59

ديوان الحلاج

وحرم على القلوب الخوض في كيفيّته ، وأفحم الخواطر عن إدراك لاهوتيّته فليس منه يبدو للخلق إلّا الخبر ، والخبر يحتمل الصدق والكذب . فسبحانه من عزيز يتجلّى لأحد من غير علّة ، ويستتر عن أحد من غير سبب . ثم بكى وأنشأ يقول : [ من الطويل ] دخلت بناسوتي لديك على الخلق * ولو لاك ، لاهوتي ، خرجت من الصّدق فإنّ لسان العلم للنّطق والهدى * وإنّ لسان الغيب جلّ عن النّطق ظهرت لخلق والتبست لفتية * فتاهوا وضلّوا واحتجبت عن الخلق فتظهر للألباب في الغرب تارة * وطورا عن الأبصار تغرب في الشّرق [ 54 ] وعن عمران بن موسى قال : سمعت بعض البصريّين يقول : كنت أنكر على الحلّاج وأقدح فيه حتى مرض لي أخ ، وكدت أموت أسفا عليه . فهمت على وجهي ممّا داخلني من الحسرة عليه ، حتى وقفت على باب الحلّاج ، فدخلت وقلت : يا شيخ ، فلان أخي أشرف على الموت ، ادع له . فضحك وقال : أنجيه بشرط تفي لي به . قلت : وما هو ؟ قال : لا ترجع عن الإنكار عليّ بل تزيد وتشهد عليّ بالكفر وتعين على قتلي . فبقيت مبهوتا فقال : لا ينفعك إلّا قبول الشرط . قلت : نعم أفعل . فصبّ شيئا من الماء في سكرجة ، وبصق فيها وقال لي : مرّ واجعل من هذا الماء في فيه فذهبت وفعلت ذلك ؛ فقام أخي في الوقت كأنه لم يمرض ؛ أو نائم فانتبه . فرجعت بأخي إليه وشكرته ، فضحك وقال : لولا أنّ اللّه تعالى قال لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * « 1 » لكنت أبصق في النار حتى تصير ريحانا على أهلها . [ 55 ] وعنه قال : سمعت الحسين يقول : من أراد أن يصل إلى المقصود فلينبذ

--> ( 1 ) الأعراف : 18 .